ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
251
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي : إن كتاب اللّه خال من التخلص . وهذا القول فاسد ؛ لأن حقيقة التخلص إنما هي الخروج من كلام [ إلى ] آخر غيره بلطيفة تلائم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه ، وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة من ذلك ، كالخروج من الوعظ والتذكير بالإنذار والبشارة بالجنة إلى أمر ونهي ووعد ووعيد ، ومن محكم إلى متشابه ، ومن صفة لنبي مرسل وملك منزل إلى ذم شيطان مريد وجبّار عنيد ، بلطائف دقيقة ، ومعان آخذ بعضها برقاب بعض . فما جاء من التخلص في القرآن الكريم قوله تعالى : وأتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون . قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين . قال هل يسمعونكم إذ تدعون . أو ينفعونكم أو يضرون . قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون . قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون . أنتم وآباؤكم الأقدمون . فإنهم عدو لي إلا رب العالمين . الذي خلقني فهو يهدين . والذي هو يطعمني ويسقين . وإذا مرضت فهو يشفين . والذي يميتني ثم يحيين . والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين . رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين . واجعل لي لسان صدق في الآخرين . واجعلني من ورثة جنة النعيم . واغفر لأبي إنه كان من الضالين . ولا تخزني يوم يبعثون . يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم . وأزلفت الجنة للمتقين . وبرزت الجحيم للغاوين . وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون . من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون . فكبكبوا فيها هم والغاوون . وجنود إبليس أجمعون . قالوا وهم فيها يختصمون . تالله إن كنا لفي ضلال مبين . إذ نسويكم برب العالمين . وما أضلنا إلا المجرمون . فما لنا من شافعين . ولا صديق حميم . فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين . هذا كلام يسكر العقول ، ويسحر الألباب ، وفيه كفاية لطالب البلاغة ، فإنه متى أنعم فيه نظره وتدبر أثناءه ومطاوي حكمته على أن في ذلك غنى عن تصفح الكتب